أبي منصور الماتريدي

350

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ينتهي إليه نظره ؛ بل يكون وراء ذلك كرامات أخر ، فينصرف قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ إلى ذلك . ويحتمل : أي : إلى أمر ربها ناظرة . وإذا كان قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر ، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيناها - لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات ، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد ؛ لا بل ظاهره يحيل القول بالرؤية ؛ فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل . فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل على إحالة الرؤية ، فليس له قطع هذا التأويل ، وصرف « 1 » التأويل إلى انتظار الكرامات ؛ فيكون الآية حجة في جواز الرؤية ، [ و ] إن لم تكن حجة في الوجوب ، والخلاف فيهما واحد . واحتج من نفى صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية بأن قوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ هو مقابل قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، وقوله : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ مقابل قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ثم لم يكن قوله : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ على فقد الرؤية ، ولكن على العقاب نفسه ؛ فكذلك قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها ؛ ولكن واقع على الثواب نفسه . وجواب هذا الفصل من وجهين : أحدهما : أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب ، لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسود الوجوه وتكلحها ، ليس في بسورها ؛ فلذلك استقام أن يكون قوله : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ على نفس العذاب ، وأهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات بما وصفوا بنضارة الوجوه ؛ فاستقام أن يكون قوله : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ منصرفا إلى حقيقة النظر ، لا إلى غيره من الكرامات . ولأن الرؤية من أعلى الكرامات وأرفعها ، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات ، فكيف يتوقعون أرفعها ؟ ! أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى ؛ فجائز « 2 » أن يكرموا بالرؤية أيضا . والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب ، والنظر إليه ثابت ؛ كما قال - عزّ وجل - ولما جاء في غير خبر النظر إلى الله تعالى ، وقد قال - عليه السلام - : « إنكم سترون ربكم يوم

--> ( 1 ) في ب : نصرف . ( 2 ) في ب : فجاز .